أبو الليث السمرقندي
299
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ يعني : إن تنصروا دين اللّه بقتال الكفار ، يَنْصُرْكُمْ بالغلبة على أعدائكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ فلا تزول في الحرب . ثم قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ يعني : بعدا ، ونكسا ، وخيبة لهم . وهو من قولك : تعست أي : عثرت ، وسقطت ، وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ يعني : أبطل ثواب حسناتهم ، فلم يقبلها منهم . ثم بيّن المعنى الذي أبطل به حسناتهم ، فقال : ذلِكَ يعني : ذلك الإبطال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني : أنكروا ، وكرهوا الإيمان بما أنزل اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلم . فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني : ثواب أعمالهم . ثم خوّفهم ليعتبروا فقال عز وجل : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني : أفلم يسافروا في الأرض فَيَنْظُرُوا يعني : فيعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني : كيف كان آخر أمرهم . دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني : أهلكهم اللّه تعالى بالعذاب وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها يعني : للكافرين من هذه الأمة أمثالها من العذاب ، وهذا وعيد لكفار قريش . ثم قال : ذلِكَ يعني : النصرة التي ذكر في قوله : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [ محمد : 7 ] بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يعني : إن اللّه تبارك وتعالى ناصر أولياءه بالغلبة على أعدائهم ، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ يعني : لا ناصر ، ولا ولي لهم ، لا تنصرهم آلهتهم ، ولا تمنعهم مما نزل بهم من العذاب . ثم ذكر مستقر المؤمنين ، ومستقر الكافرين ، فقال : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ يعني : يعيشون بما أعطوا في الدنيا ، وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ليس لهم همّ إلّا الأكل ، والشرب ، والجماع ، وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي : منزلا ، ومستقرا لهم . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 13 إلى 18 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ( 13 ) أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ( 14 ) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ ( 15 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ( 16 ) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ( 17 ) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ ( 18 )